عمر فروخ
257
تاريخ الأدب العربي
بين شعراء الأحزاب المختلفين ، يتخلّل ذلك النقاش تهديد جاهليّ قديم كقول حسان في توعّد أشياع عليّ بعد مقتل عثمان : لتسمعنّ وشيكا في ديارهم : * اللّه أكبر ، يا ثارات عثمانا ! أما الفنّ الشعري الجديد الذي كان بعد أن لم يكن فهو فنّ البديعيّات ( القصائد التي نظمت في مديح الرسول ) وأشهرها قصيدة : « بانت سعاد » لكعب بن زهير . غير أن إنعام النظر في أسلوب شعر المخضرمين يدلّنا على أن الجانب الاقلّ منه كان قد بقي على نسجه المتين الجاهليّ كشعر الحطيئة وبعض شعر حسّان . أما الجانب الأكبر منه فقد أصبح أضعف نسجا وأقلّ براعة وأكثر تخلخلا لضيق المجال الوجداني الذي كان للجاهليين من قبل : لمّا نهى الاسلام عن المفاخرات والمنافرات ووزع عن الغزل والهجاء وثبّط عن المبالغة والمغالاة ، فقد الشعراء الميادين الرحيبة التي كانوا يجرون فيها ألسنتهم في الجاهلية ثم ذهبت القيود الجديدة بالطرق المعبّدة التي كان الشعراء يسلكونها في الجاهلية ، وخصوصا حينما جعل المخضرمون يتكلّفون شق طرق جديدة ينهجون عليها في نظم الاغراض المستحدثة . النقد كان النقد في صدر الاسلام ، كما كان في الجاهلية ، آراء عارضة في محاسن الشعر ومساوئه وفي تقديم بعض الشعراء على بعض ، كما سنرى مثلا في تحكيم عمر بن الخطّاب لحسّان بن ثابت في نزاع الزبرقان بن بدر والحطيئة ( راجع ترجمة الحطيئة ) . ولم يكن علم النقد قد نبع بعد ، ولا كان النقد نفسه قد بدأ يتناول النثر . إن ذلك كلّه كان من نتاج العصر العبّاسيّ . الاسلام والشعر خاصّة زعم نفر من المستشرقين أن الاسلام انتشر بين العرب انتشارا جغرافيا سياسيا منذ انتصار الاسلام الحربي في شبه الجزيرة ، ولكنّ الاسلام الثقافي لم يجد تاريخ الأدب - 17